أحمد بن علي القلقشندي
256
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وإن اتّفقا في الدّلالة والإرشاد ، فقد اختصّ الكتاب في النّقل بالتّواتر وجاء أكثر السّنّة بالآحاد . فقال « علم القراءات » : إلا أنه لا ينبغي للمفسّر أن يقدم على التّفسير ما لم يكن بقراءة السّبع والشّاذّ عالما ، وبلغاتها عارفا وللنّظر في معانيها ملازما ؛ مع ما يلتحق بذلك من علم قوانين القراءة المتعلَّق من المصاحف بخطَّها ، والأشكال والعلامات المتكفّلة بتحريرها وضبطها . فقال « علم النّواميس » : ( وهو العلم بمتعلَّقات النّبوةَّ ) : إنّك لفرع من فروع الكتاب المبين ، وما نزل به الرّوح الأمين على قلب سيّد المرسلين ؛ وإليّ النّظر في أحوال النّبوة وحقيقتها ، ومسيس الحاجة إليها في بيان الشّريعة وطريقتها ، والفرق بين النّبوة الحقّة ، والدّعاوى الباطلة غير المحقّة ، ومعرفة المعجزات المختصّة بالأنبياء والرّسل عليهم السّلام ، والكرامات الصّادرة عن الصّدّيقين الأبرار والأولياء الكرام ؛ فأنا المقدّم على سائر العلوم الشّرعية ، وإمام الأصليّة منها والفرعيّة . فقال « العلم الإلهي » : لقد تحقّقت أنّ اللازم المحتّم ، والواجب تقديمه على كلّ مقدّم ، العلم بمعرفة اللَّه تعالى والطَّريق الموصّل إليها ، وأثبات صفاته المقدّسة وما يجب لها ويستحيل عليها ، وأنه الواجب الوجود لذاته ، وباعث الرّسل لإقامة الحجّة على خلقه بمحكم آياته ؛ وأنا الزّعيم بإقامة الأدلَّة على ذلك من المعقول والمنقول ، والمتكفّل بتصحيح مقدّماته البرهانيّة بتحرير المقدّم والتّالي والموضوع والمحمول . فقال « علم أصول الدّين » : فحينئذ قد فزت من جمعكما بالشّرفين ، وجمع لي منكما الفضل بطرفيه فصرت بكما معلم الطَّرفين ، وميّزت بين صحيح الاعتقاد وفاسده فكان لي منهما أحسن الاختيارين ، وبيّنت طريق الحقّ لسالكها فكنت سببا للفوز والنّجاة في الدّارين ؛ فانا المقصود للإنسان بالذّات في كمال ذاته ، وكلّ علم يستمدّ منّي في مباديه ويفتقر إليّ في مقدّماته .